ابن رشد

7

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

لغيره ، إما من قبل أن الشرع خصه بذلك وإما من قبل أن ما يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره ، وهو الذي ذهب إليه مالك رضي الله عنه ، وما ذهب إليه أظهر والله أعلم إلا أن يكون هناك ضرورة . وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى : * ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * قال : واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة . والفريق الثاني قالوا : إن اسم اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة والمستأمرة هي من أهل الاذن وهي البالغة ، فيكون لاختلافهم سبب آخر ، وهو اشتراك اسم اليتيم ، وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الأب لها بقوله عليه الصلاة والسلام تستأمر اليتيمة في نفسها قالوا : والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق ، فوجب المنع ، ولأولئك أن يقولوا : أن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار ، وأما الصغيرة فمسكوت عنها . وأما : هل يزوج الولي غير الأب الصغير ؟ فإن مالكا أجازه للوصي ، وأبا حنيفة أجازه للأولياء ، إلا أن أبا حنيفة أوجب الخيار له إذا بلغ ، ولم يوجب ذلك مالك . وقال الشافعي : ليس لغير الأب إنكاحه . وسبب اختلافهم : قياس غير الأب في ذلك على الأب . فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب لم يجز ذلك ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك . ومن فرق بين الصغير في ذلك والصغيرة فلان الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة ، ولذلك جعل أبو حنيفة لهما الخيار إذا بلغا . وأما الموضع الثالث : وهو هل يجوز عقد النكاح على الخيار ، فإن الجمهور على أنه لا يجوز ، وقال أبو ثور يجوز . والسبب في اختلافهم : تردد النكاح بين البيوع التي لا يجوز فيها الخيار ، والبيوع التي يجوز فيها الخيار ، أو نقول إن الأصل في العقود أن لا خيار إلا ما وقع عليه النص وعلى المثبت للخيار الدليل ، أو نقول إن أصل منع الخيار في البيوع هو الغرر والأنكحة لا غرر فيها ، لان المقصود بها المكارمة لا المكايسة ، ولان الحاجة إلى الخيار والرؤية في النكاح أشد منه في البيوع . وأما تراخي القبول من أحد الطرفين عن العقد ، فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير ، ومنعه قوم ، وأجازه قوم وذلك مثل أن ينكح الولي امرأة بغير إذنها ، فيبلغها النكاح فتجيزه ، وممن منعه مطلقا الشافعي ، وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه ، والتفرقة بين الامر الطويل والقصير لمالك . وسبب الخلاف : هل من شرط الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين في وقت واحد معا ، أم ليس ذلك من شرطه ؟ ومثل هذا الخلاف عرض في البيع .